علي بن محمد البغدادي الماوردي

15

أدب الدنيا والدين

العلج « 1 » فقال يا أمير المؤمنين قد علمت ما ابتلى به الفرزدق فعير به قومه إلى اليوم فقال : إنما أردت تشريفك وقد أعفيتك وكان أبو الهول الشاعر حاضرا فقال : جزعت من الرومي وهو مقيد * فكيف ولو لاقيته وهو مطلق دعاك أمير المؤمنين لقتله * فكاد شبيب عند ذلك يفرق « 2 » فنح شبيبا عن قراع كتيبة « 3 » * وأدن شبيبا من كلام يلفق وليس العجب من كلام الفرزدق ان صح من جودة القريحتين ولكن من اتفاق الخاطرين ولمثل ذلك قالت الحكماء : آية العقل سرعة الفهم وغايته إصابة الوهم وليس لمن منح جودة القريحة وسرعة الخاطر عجز عن جواب وإن أعضل « 4 » كما قيل لعلي رضي اللّه عنه : كيف يحاسب اللّه العباد على كثرة عددهم فقال : كما يرزقهم على كثرة عددهم وقيل لعبد اللّه بن عباس : أين تذهب الأرواح إذا فارقت الأجساد فقال : أين تذهب نار المصابيح عند فناء الأدهان وهذان الجوابان جوابا إسكات تضمنا دليلي إذعان وحجتي قهر . ومن غير هذا الفن وإن كان مسكتا ما حكي عن إبليس لعنه اللّه أنه حين ظهر لعيسى بن مريم عليه السلام قال : ألست تقول إنه لن يصيبك إلا ما كتبه اللّه عليك قال نعم قال . فارم نفسك من ذروة « 5 » هذا الجبل فإنه إن يقدر لك السلامة تسلم فقال له : يا ملعون إن اللّه أن يختبر عباده وليس للعبد أن يختبر ربه ومثل هذا الجواب لا يستغرب من أنبياء اللّه تعالى الذين أمدهم بوحيه وأيدهم بنصره وإنما يستغرب ممن يلجأ إلى خاطره ويعول « 6 » على بديهته . وروى

--> ( 1 ) العلج : بكسر فسكون . ( 2 ) يفرق : يفزع ويضطرب . ( 3 ) الكتيبة : العسكر من المائة إلى الألف . ( 4 ) أعضل اشتد وأشكل . ( 5 ) ذروة الجبل : أعلاه : بضم الذال وكسرها . ( 6 ) يعوّل : يعتمد .